غزة / معتز شاهين:
في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإنهاء الحرب على قطاع غزة، يضع الرفض الإسرائيلي خارطة الطريق التي طرحها «مجلس السلام» المنطقة أمام مرحلة جديدة من التعقيد السياسي، تحكمها معادلة متداخلة بين مدى جدية النفوذ الأميركي، والحسابات السياسية والانتخابية لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
ويرى خبراء سياسيون في أحاديثهم مع صحيفة «الاستقلال»، أن موقف نتنياهو الرافض للخارطة لا يعكس قوة إسرائيلية مستقلة في فرض شروطها، بقدر ما يعكس محاولة لتجنب «انتحار سياسي» داخل قواعده اليمينية المتطرفة، في ظل تراجع شعبيته وضغوط الائتلاف الحاكم.
وفي المقابل، تبرز تساؤلات حاسمة بشأن قدرة الإدارة الأميركية على ممارسة ضغط فعلي على نتنياهو، وتجاوز هامش المناورة الإسرائيلي، بما يفتح الباب أمام إعادة رسم مستقبل قطاع غزة والضفة الغربية.
وكان "نتنياهو" قد أعلن، الأحد، رفضه وثيقة "مجلس السلام" الأمريكية، قائلاً إن "إسرائيل" لن تنسحب قبل أن يتم "نزع السلاح بالكامل"، وهو ما يخالف نصوص اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. هذا الرفض يكرر ما عبر عنه سابقاً وزراؤه المتطرفون في الائتلاف الحكومي، وعلى رأسهم وزير المالية "بتسلئيل سموتريتش"، الذين أعلنوا رفضهم الخطة فور صدورها، عقب مفاوضات القاهرة.
في المقابل، أكد القيادي في حركة حماس باسم نعيم التزام الحركة بخارطة الطريق التي تم الاتفاق عليها مع الوسطاء وممثلي "مجلس السلام" في القاهرة، داعياً الولايات المتحدة والوسطاء إلى الضغط على حكومة الاحتلال للالتزام بما تم الاتفاق عليه.
وكان "مجلس السلام" قد نشر المبادئ التنفيذية لخارطة طريق تهدف لإنهاء الصراع، تتضمن نقل مهام الحكم المدني والأمن في غزة إلى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، وتشكيل "قوة استقرار دولية" بالتعاون مع قوة شرطة فلسطينية جديدة، مع التزام الفصائل بنزع السلاح وتفكيك الأنفاق مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي وبرنامج دولي لإعادة الإعمار وتنمية اقتصاد القطاع.
الحسابات الانتخابية
ويرى الكاتب والمحلل السياسي د. عمرو جعارة أن رفض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الانسحاب من قطاع غزة قبل نزع سلاح حركة حماس، لا يعكس بالضرورة قدرة إسرائيلية مستقلة على فرض شروطها، مؤكداً أن القرار النهائي في هذا الملف يبقى مرتبطاً بالموقف الأميركي، وأن نتنياهو لا يستطيع مواجهة واشنطن إذا كان الرئيس الأميركي جاداً في الضغط عليه.
وقال جعارة، في حديث مع صحيفة "الاستقلال"، "إن إسرائيل لا تستطيع أن تقول لا لأميركا بأي شكل من الأشكال، إذا كانت الإدارة الأميركية جادة في موقفها"، مشدداً على أن حجم الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة يجعل القرار الأميركي عاملاً حاسماً في تحديد مسار الحرب والمرحلة المقبلة في قطاع غزة.
واعتبر جعارة أن "إسرائيل" ليست "دولة إقليمية عملاقة" كما يصفها نتنياهو، بل أصبحت شديدة الارتباط بالولايات المتحدة، إلى درجة وصفه هذا الواقع بأنه انتقال من دولة إلى "محمية أميركية".
وأشار جعارة إلى أن نتنياهو يواجه استحقاقاً انتخابياً حاسماً، وأن أي انسحاب من غزة في الوقت الراهن قد ينعكس سلباً على صورته أمام الجمهور الإسرائيلي، ولا سيما قواعد اليمين والأحزاب المتطرفة التي تطالب باستمرار الحرب ورفض تقديم تنازلات للفلسطينيين.
وتابع: "نتنياهو سبق أن خاض عدة حروب ضد قطاع غزة، وانتهت تلك الحروب بانسحابات ووقف للقتال"، متسائلاً عن سبب رفضه الانسحاب في المرحلة الحالية، رغم إمكانية التوصل إلى ترتيبات لوقف الحرب.
ويرى جعارة أن الإجابة ترتبط بدرجة كبيرة بالحسابات السياسية الداخلية، خصوصاً أن نتنياهو يواجه تراجعاً في شعبيته، وأن استمرار الخطاب المتشدد تجاه القضية الفلسطينية قد يكون وسيلة لمحاولة استعادة الدعم الشعبي.
وأكد أن الحسابات الانتخابية لا تقتصر على نتنياهو، بل تشمل الإدارة الأميركية أيضاً، في ظل اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية.
وأوضح أن ترامب ونتنياهو يواجهان، كلٌّ من موقعه، ضغوطاً داخلية تتعلق بشعبيتهما ومستقبلهما السياسي، ما قد يجعل بعض القرارات المرتبطة بالحرب في غزة محكومة باعتبارات انتخابية، إلى جانب الاعتبارات العسكرية والسياسية.
وبناءً على ذلك، يعتقد المحلل السياسي أن مستقبل الحرب والوجود الإسرائيلي في قطاع غزة لن يُحسم فقط داخل حكومة نتنياهو، وإنما سيتأثر بصورة أساسية بمدى استعداد إدارة ترامب لاستخدام نفوذها لفرض وقف الحرب وإعادة ترتيب الوجود الإسرائيلي في القطاع، مقابل حسابات نتنياهو السياسية والانتخابية التي تدفعه إلى التمسك بخطاب أكثر تشدداً.
انتحاراً سياسياً
من جهتها، رأت الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن رفض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لخارطة الطريق التي طرحها "مجلس السلام" بشأن قطاع غزة لم يكن مفاجئاً، معتبرة أن موافقته عليها كانت ستشكل "انتحاراً سياسياً" له، في ظل حساباته الانتخابية وضغوط تحالفه اليميني.
وقالت عودة، في حديث مع «الاستقلال»، إن نتنياهو اتبع منذ طرح الخارطة أسلوب "الرفض المتدرج"، عبر تسريبات صادرة عن مكتبه بالتوازي مع استمرار القصف والاغتيالات في غزة، لتجنب الاصطدام المباشر بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأوضحت أن نتنياهو اضطر، بعد عودته واجتماعه بتحالفه اليميني، إلى إعلان رفض الخطة علناً، بهدف إسكات منافسيه ومنع توظيفها ضده انتخابياً، معتبرة أن هذه الخطوة أنقذته وتحالفه من الشكوك الشعبية بشأن قدرته على تحقيق أهداف الحرب.
وحول تداعيات الرفض، توقعت عودة ألا يتهور نتنياهو في تكثيف استهداف المقاومة، خصوصاً إلى حين انتهاء الانتخابات، خشية إثارة غضب إدارة ترامب. ورجحت أن يحاول الموازنة في غزة عبر تقديم نفسه بوصفه «الرجل الجيد» الذي يعمل على تجهيز «المنطقة الصفراء» لنقل السكان إليها تحت إشراف قوات دولية، مع مواصلة عمليات استهداف محدودة لعناصر المقاومة بالطائرات المسيّرة، ولكن "بصمت ودون ضجيج إعلامي".
وترى عودة أن جوهر الخلاف مع واشنطن يتجاوز نزع سلاح حماس، ليشمل مستقبل غزة والضفة الغربية ومصير المشروع السياسي الفلسطيني، مؤكدة أن نزع سلاح الحركة لن يغير جوهر الموقف الإسرائيلي الرافض لإقامة دولة فلسطينية مترابطة على حدود عام 1967 ورفض عودة اللاجئين.
وفي شأن الضغط الأميركي، قالت إن واشنطن تحترم استقلالية القرار الإسرائيلي، ولا تستطيع مواجهته علناً باعتبارها دولة صديقة لإسرائيل وترعى مصالحها. وأضافت أن أي مواجهة قد تعرض إدارة ترامب لاتهامات بالتصرف بصورة «ديكتاتورية» ومعارضة خيار الإسرائيليين.


التعليقات : 0